agenda liens contact
 

 

وجوه نور الدين الغماري

يحتضن رواق محمد الفاسي بالرباط معرضا للفنان الفوتوغرافي المغربي نور الدين الغماري تميز بالتركيز على البورتريه والوجوه.

فبمجرد ولوج الزائر لقاعة العرض، تقابله لوحات لنساء ورجال حفر الزمن أخاديده على وجوههم، وعلى امتداد المعرض يكتشف تواجد بعض الأطفال شاخصين بنظراتهم إلى ملتقط الصورة أو معرضين عنه، غير أن ما يميزهم هي حالة الفقر البادية عليهم، خاضة وأن جميع الصور التقطت في الوسط القروي، وحالة التصالح مع النفس التي تعبر عن قناعة لا مثيل لها.
وعن تركيزه على اللونين الأبيضوالأسود، قال الفنان نور الدين الغماري إن ذلك يعود إلى صعوبة الألوان من جهة وإمكانية إضاعتها للصورة كما يريدها الفنان، ومن جهة أخرى لشغفه بالظل والضوء وإمكانية اللعب عليهما في المختبر لبلوغ جمالية اللوحة.
وعن تركيزه على المسنين والأطفال قال "لإنني أركز على الهشاشة داخل المجتمع، اخترت من يمثلها وصورتهم داخل مجالهم الطبيعي" مشيرا إلى أن لديه جاذبية خاصة للتجاعيد، بحكم تعبيرها عن شخصية الإنسان وتجربته مع الحياة، قضلا عن النظرات التي تعبر عن الهدوء والدعة بعيدا عن العنف.
وبخصوص إيلائه اهتماما خاصا بالوسط القروي، اعتبر الفنان نور الدين اماري أن قضاءه ل22 سنة في الغربة، وسط الضجيج جعل منه إنسانا يحن إلى هدوء البادية ودهة أناسها، وبساطة الحياة فيها.
واعتبر أنه يريد أن يخلق عبر هذه الصور نوعا من الحوار بين المشاهد واللوحات، وهو حوار صامت، "فلغة كل صورة تختلف عن الأخرى، وعلى المشاهد أيتمكن من شيفرة كل لغة على حدة حسب مرجعيته الثقافية العامة".
وقد اعتبر الفنان الفوتوغرافي جعفر عقيل، رئيس الجمعية المغربية للفن الفوتوغرافي، أن أهم ما يميز فوتوغرايات نور الدين الغماري، الحضور المكثف للعناصر التشكيلية عموما والغنى التلويني خصوصا والانجذاب نحو تمثيل تفاصيل الوجه
وتقاسيمه. وقال إن طريقة بناء المجال المصوَْر عنده يختلف عن التقليد الذي رسخته إنتاجات العقود السابقة، والعوالم التي تلتقطها عينه عوالم تصويرية بامتياز. إن المشاهد حين يتأمل في فوتوغرافياته لا يتلق معرفة مُطَمْئِنَة ولا أشكال جاهزة. فالغماري يدرك تمام الإدراك أن صور فوتوغرافية من هذا القبيل ستؤول إلى الزوال بسرعة ومعرضة للموت السريع.
وأشار إلى أن فوتوغرافيات الغماري تسائل عين المشاهد وفي أحيان كثيرة تستفزها، وحين تحاول عين هذا الأخير فهم مايجري أمامها تصطدم بمساحات تصور خطوطا متداخلة وبقعا ضوئية ولطخات لونية وأشكالا هندسية ونظرات ثاقبة تذكر المشاهد بأثر حياة وجوه هشة وأخرى صلبة مرت من هنا ولم يبق شاهدا على وجودها سوى بصمة أو رسم. وأضاف أن عنصر الوجه يأخذ مساحة هامة في أعماله بل يشكل الحلقة المحورية في التعريف بهوية الأشخاص المُصوَّرة. فبالرغم من الاختلاف الظاهري بين مختلف التلونات والأشكال والأحجام التي تزخر بها فوتوغرافياته تبقى القيمة البارزة في أعمال الغماري نقل فوتوغرافيا أحاسيس الموضوع المصوَّر وميولاته وانتمائه وذاكرته وبعبارة أشمل ثقافته.
فكل من تقاسيم الوجه وتعابيره وملامحه ونظراته وابتساماته وأحزانه تنتظم وتتآلف وتمتزج -حسب عاقيل- في سيمفونية واحدة تنشد نشيد الحياة. لقد صار الوجه في أعماله باب العبور إلى أغوار الشخصية المصوَّرة أمامنا ودوافنها وذريعة لاستفزاز ذاكرة المشاهد للاقتراب شيئا فشيئا من ما يخفيه هذا العنصر المركزي في جسد الإنسان من دلالات ثقافية. 
ومن جهته اعتبر التشكيلي والناقد الفني بنيونس عميروش، أنه إذا كانت هذه البورتريهات ذات التأثير الدرامي، خالية من أي مؤشر يحيل على مظاهر عصرنا المديني الحديث بالرغم من كونها ملتقَطة في الوقت الحاضر، فإن المبدع يروم الانحدار بالمشاهد عبر الزمان والمكان، في دعوة لتقاسم وتشارك حَيَوَات وأجواء وديكورات تتمسك بتمظهراتها الأصلية، البدائية، حيث البساطة مبدأ الجمال.
تجدر الإشارة إلى أن نور الدين الغماري، الذي يعيش بإنجلترا ويشتغل بها كأستاذ للفوتوغرافيا، قد سبق له أن أنجز عروضا جماعية في كل من فاس ومكناس ومراكش وتازة والبيضاء والرباط كما أنه عرض خارج المغرب في كل من ابريطانيا وأوركانيا واليبان وسوريا ومصر وحصل على عدة جوائز من الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا والمغرب (في المعرض وطني العاشؤ للفن الفوتوغرافي بفاس في 2000).
وقد نشر نور الدين الغماري عدة كتب في مجال التصوير الفوتوغرافي، أبرزها "الفوتوغرافية بالأبيض والأسود" (2007) و"الفوتوغرافية الرقمية" (2006)، واهتمت بالكتابة عن أعماله عدة  مجلات دولية.
 
ليلى الشافعي
2008/04/15



 


© 2007 mashahid.net | maghrebarts.ma بشراكة مع