ابن لعبون لـ”سبق”: اشتريت جبل “العفجة” لحمايته.. وهذا سر “الماء المولّع” في القصيم

حوارات رمضانية

– “نيوم” فردوس الجيولوجيين وصخورها متحولة فيها المعادن والمياه والشعاب المرجانية.
– سخروا مني بسبب “جن” النبي سليمان وعروق “المرو” العجيبة في منجم “مهد الذهب”.
– المدافن الأثرية في “العفجة” عمرها أكثر من 6 آلاف سنة وبنيت قبل أهرامات مصر.
– احذروا الشقوق والانهيارات الأرضية في مزارع الرياض والخرج فالصخور الجيرية بدأت تذوب.
– اكتشاف آثار أقدام عمرها 85 ألف عام في تبوك يدل على أن إنسان جزيرة العرب كان له شأن عظيم.
– بسبب ثوران بركان جزيرة يمنية تزلزلت الأرض وتصدعت وكاد بركان “العيص” أن يثور.
– الربع الخالي هو عمقنا الإستراتيجي وغني بثرواته الطبيعية والمياه الجوفية والنفط والغاز.

أجرى الحوار/ شقران الرشيدي

هو جيولوجي سعودي بارز في مجاله وتخصصه، دفعه حبه والرغبة في خدمة الوطن أن يضحي بوقته وماله الخاص لكي يشتري جبلاً كاملاً في منطقة “العفجة” بين الرياض والخرج، ثم يحيطه بسياج لكي يحمي ما فيه من المواقع التاريخية والمدافن الأثرية القديمة، والتي تعود لأكثر من 6 آلاف سنة، من العبث والتدمير.

ويؤكد في حواره مع “سبق” أنه “تراث وطني يجب حمايته والمحافظة عليه”.

حول التجربة الأكاديمية الممتدة لأكثر من 40 عاماً للأستاذ الدكتور عبد العزيز بن لعبون، والعملية الثرية في الجيولوجيا، واكتشافات النفط، والآثار، وجولته الاستكشافية في الربع الخالي، ومشاركته في البعثة العلمية التي زارت القطب المتجمد، والشقوق الأرضية حول الرياض، وبراكين العيص، وذهب النبي سليمان عليه السلام، وغيرها من المحاور المهمة تدور تفاصيل هذا الحوار .

** أعلن مؤخراً اكتشاف آثار أقدام إنسان قديم على أطراف منطقة تبوك يعود عمرها إلى 85 ألف عام، على ماذا يدل ذلك؟
هذا الاكتشاف يدل على استيطان الإنسان القديم لهذه المنطقة، وأنها كانت بحيرة عذبة تحيط بها الخضرة من أعشاب وأشجار وتعيش فيها حيوانات، ويسكن فيها بشر، وقامت على ضفاف تلك البحيرة حضارات، وعلينا اكتشاف المخبوء من الآثار التي ستغير قراءتنا لتاريخ البشرية جمعاء، فلإنسان جزيرة العرب شأن عظيم في ريادته للحضارة البشري، وكذلك التعرف على السجل الحيوي، وهذا ما يقوم به وبجهود حثيثة المتخصصون في هيئة المساحة الجيولوجية والهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، وفقهم الله.

** هل فعلاً اشتريت جبلاً في “العفجة” بين الرياض والخرج لتحافظ على آثاره التاريخية من العبث والتدمير؟
مسؤولية المحافظة على جميع ما حولنا من معالم طبيعية ومرافق حضرية لا تقع على كاهل الجهات الرسمية أو ذات العلاقة فقط، بل هي مسؤولية الأفراد أيضاً، وهنا تأتي المبادرة والتآزر والتفاعل بين الجهات والأفراد، ومن هذا المنطلق وفقني الله سبحانه وتعالى وأخوين عزيزين من الغيورين على آثارنا لشراء جبل يحتوي على منشآت حجرية غاية في الأهمية كانت ضمن قطع أراض معروضة للبيع، وكادت تلك الآثار أن تدمر، وقد تم دراسة تلك الآثار بدعم من دارة الملك عبدالعزيز من قبل فريق آثاري متخصص برئاسة الآثاري المعروف الأستاذ الدكتور عبدالعزيز بن سعود الغزي، ووجدوا فيها آثاراً تعود إلى أكثر من 6 آلاف سنة، وتقوم الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني بإجراء اللازم لتهيئة الجبل كموقع أثري مهم، وتراث وطني يجب حمايته والمحافظة عليه، وبعد أن أنجز البروفيسور عبد العزيز الغزي وفريقه الآثاري عمليات التنقيب في الجبل وما حوله وأعدوا تقريراً علمياً مفصلاً بنتائج المشروع أطلقوا على الجبل هذا الاسم “جبل ابن لعبون”، وقد وردت تلك التسمية أيضاً في الكتاب المكون من جزأين والذي أصدرته دارة الملك عبد العزيز حول ذلك المشروع الأثري.

** ما أبرز المعالم الأثرية التي تميز “جبل ابن لعبون”؟
لعل من أبرز المنشآت الحجرية في الجبل تنوع المدافن منذ 6 آلاف سنة، كما يقال، فهناك الدائرية والمذيلة والمستطيلة والمربعة، والأهم المنشآت الدائرية المصطبية المتدرجة أي مصطبة فوقها أصغر وأصغر وأصغر. لأربعة طوابق أو مصاطب، وهي بذلك تكون هي المرحلة المبكرة لفكرة بناء الأهرامات، فمنها كانت أهرامات سقارة المربعة قرب القاهرة ثم أهرامات الجيزة.

** يدور جدل كبير هذه الأيام حول حقيقة كروية الأرض، هناك من يؤكد كرويتها وآخرون ينفون، فما هي الحقيقة القاطعة؟
سبحان الله، في العصر الذي تجرى فيه البحوث والتجارب لإرسال الإنسان إلى الفضاء للوصول إلى الكواكب البعيدة، والسكن فيها واستكشاف ثرواتها المعدنية وإمكانياتها واستغلالها، نجد البعض مازال يشكك في كروية الأرض!.

** إلى أي مدى لا تزال في السعودية براكين وزلازل نشطة قد تحدث دماراً هائلاً كما يتردد خاصة في منطقة المدينة المنورة؟
منذ حوالي ٣٠ مليون سنة تعرضت المنطقة لسلسلة من الثورات البركانية في شريط يمتد من عدن إلى جنوب شرقي تركيا، والبراكين كانت تثور على فترات متقطعة ومازالت نشطة منذ ذلك الحين، وحديثاً ثار بركان في جزيرة طير اليمنية في جنوبي البحر الأحمر، كما تزلزلت الأرض وتصدعت وكاد بركان أن يثور في العيص، فثوران البراكين وارد في أية لحظة، لذا على الجهات ذات العلاقة كالدفاع المدني وهيئة المساحة الجيولوجية وغيرها تهيئة الناس وخاصة في مناطق الحرات والقريبين منها وإرشادهم وتثقيفهم للتفاعل عند حدوث الزلازل وثورات البراكين وكذلك اتباع المواصفات الخاصة للبناء في تلك المناطق ونسأل الله كريم لطفه.

** ما هي ظاهرة “الماء المولع” في بعض الآبار بالقصيم، وكيف يمكن الاستفادة منها؟
غاز كان يتدفق مع مياه آبار مزارع في القصيم، لفتت رائحة الغاز المزارعين وعندما قربوا شعلة نار من الماء ولع الغاز فأسموه “الماء اللي يولع”، ولكن الجميل في الأمر أن أحد المزارعين في الهدية شرق مدينة بريدة -وهو صالح الغضية- لم يترك الغاز يذهب سدى، بل قام بتصميم وتصنيع شبكة لفصل الغاز بتقنية ومهارة محلية قصيمية بحتة، واستغلاله للإنارة والتدفئة والطبخ وغيرها.

** كنت عضواً في الفريق العلمي لهيئة المساحة الجيولوجية لاستكشاف الربع الخالي، ماذا وجدتم هناك؟
يشكل الربع الخالي العمق الإستراتيجي للمملكة، فهو غني بثرواته الطبيعية من مياه جوفية ونفط وغاز ومعادن وحياة فطرية متنوعة، وهو بحاجة للمزيد من الدراسات والبحث العلمي.

** ما هي حقيقة وخطورة الشقوق الأرضية، والانهيار الأرضي الذي شهدته بعض أحياء ومزارع الرياض والخرج والمناطق المحيطة بها؟
طبيعة صخور هذه المناطق بشكل عام هي صخور جيرية مصدعة مطوية مشققة، وخلال الفترات المطيرة تخللتها المياه فذابت أجزاء منها، وهذا ما نراه على هيئة فجوات، وبمرور الزمن امتلأت مداخل تلك الصُّدُوع والشقوق. والدحول والفجوات بالرمال والأطيان ولم تعد مرئيّة، وبسبب التوسع العمراني والزراعي والأمطار تخللت المياه إلى تلك الفجوات والتشققات ودفعت ما فيها من رواسب نحو الداخل فبانت وظهرت من جديد، وينجم عن ذلك الكثير من الأخطار والخسائر البشرية والمادية، وعليه فإنه لابد من القيام بالدراسات والمسوحات الجيولوجية قبل إنشاء المشاريع بكل أنواعها سكنية أو صناعية أو شبكات طرق أو أبراج كهرباء واتصالات وغيرها، ونسأل الله السلامة.

** لماذا أطلقت على منطقة “نيوم” مسمى فردوس الجيولوجيين؟ وبماذا تمتاز؟
منذ أكثر من عشرين سنة وأنا أتردد على نيوم في رحلات علمية للقيام بأبحاث ميدانية فوجدت فيها جميع المعالم والظواهر الجيولوجية من تنوع الصخور النارية والمتحولة والبركانية والصخور الرسوبية بأنواعها الجيرية والرملية والمتبخرات والمترسبة في مختلف بيئات الترسيب البحرية، والقارية النهرية والجليدية وكذلك رواسب العكر وغيرها، كما أن هناك مختلف أنواع التراكيب البنائية من طيات وصدوع، واحتواء الصخور على المعادن والمياه والنفط والغاز، وبيئات الترسيب الحديثة من كثبانية وشعاب مرجانية وسباخ وغيرها، هذا جزء مما يبحث عنه الجيولوجيون، لذا أطلقت عليها فردوس الجيولوجيين.

** ما أبرز ما استفدته من الرحلة الاستكشافية العلمية إلى القارة المتجمدة؟
أولاً اسمح لي أن أتوقف لأصحح المصطلح الجغرافي الشائع الخاطئ، وهو القارة القطبية الجنوبية، فليس هناك قارة قطبية شمالية ليقابلها جنوبية، فالقطب الشمالي يقع في بحر تحيط به قارات، بينما القطب الجنوبي يقع في قارة يحيط بها بحار، وبالتالي الاسم الصحيح لهذه القارة هو القارة المتجمدة أو القارة القطبية. والآن لنعد إلى السؤال، إن أبرز ما تتمتع به القارة المتجمدة هو بيئتها النظيفة جليداً وبحراً وجواً، وذلك بسبب التطبيقات القاسية والدقيقة والصارمة لجميع معايير الحماية البيئية للقارة، لدرجة أن جميع المحطات والقواعد العلمية في القارة تبعد جميع مخلفاتها بما في ذلك الفضلات البشرية إلى خارج القارة، وإلزام جميع من يصل القارة بالتعقيم وتنظيف الملابس والمعدات منعاً لوصول الملوثات والبذور وحبوب اللقاح وغيرها، لكيلا تنبت نباتات غريبة في القارة.

** أثار تصريحك عن استعانة النبي سليمان عليه السلام بالجنّ للعثور على المناجم والبحث عن الأشياء الثمينة في جنوب السعودية الكثير من الاستفهامات، وهناك من سخر منها، هل بالإمكان التوضيح أكثر؟
عندما تواجه ظاهرة طبيعية غريبة تجتهد كباحث في وضع التفسيرات أو التعليلات لها، ومن ذلك عندما تقف عند منجم قديم مثل منجم مهد الذهب، وتشاهد عروق المرو بسماكات مختلفة من المتر إلى ربع المتر، وقد حفرت لاستخلاص الذهب منها، ولأعماق عشرات الأمتار وإلى ثمانين متراً، لابد أن تصاب بدهشة كيف تم تتبع تلك العروق في تلك الأعماق؟ وكيف تم تكسير صخورها؟ وكيف تم نقلها؟ وبأية أدوات وتقنيات؟ وكيف أمكن للعمال العمل والنظر والتنفس عند تلك الأعماق والظلمات؟ عندها تصل إلى قناعة أن من قام بذلك العمل وقبل آلاف السنين ويمتلك تلك القدرات ليسوا بشراً عاديين! ولما كان هناك من قد ربط بين منجم ذلك الذهب وغيره بنبي الله سليمان عليه السلام، طرحت في إحدى محاضراتي تساؤلاً: أليس من المحتمل أن يكون سليمان عليه السلام قد سخر الجن لاستخراج الذهب من تلك الأعماق السحيقة من العروق الضيقة؟ هذا التساؤل تناقلته الصحافة، ومن الناس من لم يتقبله.

** أثناء رحلاتك الاستكشافية هل تعرضت لحوادث أو مواقف معينة لم تتوقعها؟
يكتنف العمل الميداني والمختبري مخاطر وحوادث غير متوقعة، ولعل من أبرزها الحوادث المرورية، والعواصف الرملية، والأمطار، والأفاعي والعقارب، والانزلاقات والسقوط من الجبال، والغراز في الرمال والسباخ وغير ذلك، ففي إحدى الرحلات الميدانية إلى منجم مهد الذهب برفقة أساتذة وطلاب من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن انفجرت إحدى عجلات السيارة، ولم يتمكن السائق من التحكم بالسيارة فانقلبت السيارة عدة مرات، وكنت أكثر الركاب إصابة حيث تهشمت يدي، ولكن الله قدر ولطف، وله الحمد.

قد يعجبك أيضاً

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم موقع مَشاهد ملفات تعريف الارتباط الكوكيز. بامكانك قراءة سياسة الخصوصية لموقعنا موافق